محمد أبو زهرة
3596
زهرة التفاسير
يرحم لا يرحم » « 1 » ودفع الظلم والقصاص رحمة ؛ ولذا قال تعالى : وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ . . . ( 179 ) [ البقرة ] . ودفع اعتداء المعتدين رحمة وذلك من قوله تعالى : . . . وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ . . . ( 251 ) [ البقرة ] . وإن الموعظة والشفاء والهدى والرحمة للمؤمنين ؛ لأنهم يتعظون بمواعظه ويستشفون بشفائه ويهتدون بهدايته وتنالهم رحمته . قال البيضاوي في مغزى هذه الآية : « قد جاء كتاب جامع للحكمة العملية الكاشفة عن محاسن الأعمال ومقابحها ، المرغبة في المحاسن والزاجرة عن المقابح ، والحكمة النظرية التي هي شفاء لما في الصدور من الشكوك وسوء الاعتقاد وهدى إلى الحق واليقين ورحمة للمؤمنين ، حيث أنزلت عليهم ، نجوا بها من ظلمات الضلال إلى نور الإيمان ، وتبدلت مقاعدهم من طبقات النيران إلى مصاعد من درجات الجنان » . إن من فضل اللّه على عباده نزول القرآن الكريم المشتمل على هذا الفضل العظيم الذي يقول فيه سبحانه : قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ( 58 ) . أمر اللّه نبيه صلى اللّه عليه وسلم أن يقول : بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ أي أن هذا القرآن الذي نزل جامعا للموعظة المبينة وشفاء القلوب وهدايتها ، والشريعة هي من فضل اللّه على خلقه الذي يختص بها من يشاء ، وبرحمته على عباده الذين أنقذهم من الضلال ، وفي هذا بيان بأن تنزيل القرآن وما فيه هو بفضل اللّه ورحمته ، وتكرار حرف الجر ( الباء ) ؛ لبيان أن كليهما مراد اللّه تعالى من تنزيل الكتاب ، ثم يبين سبحانه أن هذا القرآن بما فيه هو أساس للسعادة والسرور والفرح لقوله تعالى :
--> ( 1 ) متفق عليه ، وقد سبق تخريجه .